الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
239
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
يقاس عليها الفروع والمسائل الفرعيّة . ومنها : أنّ بناء العقلاء على إبقاء الحالة السابقة وإن كان غير قابل للإنكار في الجملة ، إلّاأنّه لم يعلم أنّ ذلك من جهة التعبّد بالشكّ والأصل العملي ، أو من جهة الأمارية والكشف عن الواقع ، إذ يبعّد الأوّل عدم تعقّل بناء من العقلاء على صرف التعبّد بالشكّ من دون أمارية وكاشفيّة ، كما أنّه يبعّد الثاني عدم وجود شيء في المقام يكون كاشفاً عن الواقع في ظرف الشكّ ، إذ اليقين السابق لا أمارية له في ظرف الشكّ ، ونفس الشكّ لا أمارية له أيضاً كما هو ظاهر . إلّاأن يقال : إنّ التعبّد بالشكّ من العقلاء وإن لم يكن في نفسه معقولًا ، إلّاأنّه يمكن أن يكون ذلك بإلهام من اللَّه تعالى حتّى لا يختلّ أمور معاشهم ومعادهم ، فإنّ لزوم اختلال النظام مع التوقّف عن الجري في الحالة السابقة مع الشكّ واضح ، فلأجله جعل اللَّه الجري على طبقها من المرتكزات في أنفسهم مع عدم وجود كاشف عن تحقّقها أصلًا « 1 » . ويرد عليه : أنّ ما أفيد من أنّ بناءهم إلهام إلهي وأنّ فطرتهم جرت على ذلك ، هو بنفسه دليل على وجود التعبّد لهم ، فإنّهم يعتمدون على أمور كأصالة البراءة ، مع أنّها لا كاشفيّة لها بالنسبة إلى الواقع ، ولكنّهم يبنون على ذلك من باب أنّ عدمه يوجب اختلال النظام ، ومن هذا القبيل باب الحقوق والجرائم ، فما دام لم يثبت جرم أحد ، أو كونه مديوناً ، لا يحكم عليه بالجرم والدين ، وهذا من الأصول الثابتة عندهم . ولا يبعد أن يكون بناؤهم على الاستصحاب من هذا القبيل ، فإنّ للعقلاء أيضاً أصول وأمارات ، بل يمكن أن يقال : إنّ جميع الأصول والأمارات الشرعيّة لها أصل عقلائي . الثاني : الأخبار المستفيضة وهي العمدة ونذكر منها أهمّها :
--> ( 1 ) . أجود التقريرات ، ج 2 ، ص 357